Ar Last Edition
Ar Last Edition

Download Our App

في رسالته السنوية السابعة إلى الكونغرس، وبينما كانت دول أميركا اللاتينية تحقق الاستقلال واحدةً تلو الأخرى عن القوى الاستعمارية الأوروبية، ولا سيما الإمبراطورية الإسبانية، أعلن مونرو أن "النصف الغربي من الكرة الأرضية مغلق أمام أي استعمار

فاطمة موسى

دونرو... أو عولمة مبدأ مونرو

في الثاني من كانون الأول/ديسمبر 1823، خاطب الرئيس الخامس للولايات المتحدة، وآخر "الآباء المؤسسين"، جيمس مونرو، الكونغرس، واضعاً الأساس الذي سينطلق منه أحد المبادئ الأساسية في السياسة الخارجية الأميركية: "مبدأ مونرو". في رسالته السنوية السابعة إلى الكونغرس، وبينما كانت دول أميركا اللاتينية تحقق الاستقلال واحدةً تلو الأخرى عن القوى الاستعمارية الأوروبية، ولا سيما الإمبراطورية الإسبانية، أعلن مونرو أن "النصف الغربي من الكرة الأرضية مغلق أمام أي استعمار في المستقبل، وأن أي محاولة تقوم بها قوة أوروبية للسيطرة على أي دولة فيه ستُعدُّ عملاً عدائياً ضدّ الولايات المتحدة".

مع تحوّل الولايات المتحدة إلى قوة عالمية، رسم "مبدأ مونرو" الإطار الإيديولوجي للتوسع الأميركي، وخصوصاً في أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية، بحيث رافق التدخلات والحروب والاحتلالات التي قامت بها الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، وآخرها اختطاف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، وزوجته من كاراكاس. لم يكن مستغرباً أن يُبديَ دونالد ترامب في تعليقه على الحدث تأييده لـ"مبدأ مونرو"، لكنه أضاف أن إدارته الحالية "تفوقت عليه بفارق كبير"، عبر ما سمّاه "مبدأ دونرو".

منذ الإعلان الأول قبل قرنين، شكّل "مبدأ مونرو" النقاشات السياسية في فترات محددة، ليقبع في الكواليس في فترات أخرى، تبعاً للتحولات الجيوسياسية. والفترات التي برز فيها في الممارسة السياسية الأميركية تمثّلت باللحظات التاريخية التي اشتدّ فيها الجدل حول دور الولايات المتحدة في العالم. ولم يقتصر تبني "مبدأ مونرو" على أي من الحزبين، فوودرو ولسن مثلاً، الرئيس الديمقراطي الذي يصوّره التاريخ على أنه "المدافع عن حق الشعوب في تقرير المصير"، رفض التنازل عن السلطة الأحادية الجانب للولايات المتحدة في المنطقة الواقعة جنوباً.

لضمان هذه السلطة، وبينما كان العالم ينفض غبار الحرب العالمية الأولى، أدرج ويلسون بياناً في ميثاق عصبة الأمم، ينصّ على أنها "لن تبطل مبدأ مونرو". من هنا، يمكن القول إن "مبدأ مونرو" هو أداة سياسية استخدمتها الجهات السياسية المختلفة وحمّلتها أجنداتها، وأعادتها إلى الواجهة في كل مرة احتاجتها، من دون أن تكون أخفتها أو تخلّت عنها في أي مرحلة على نحو تام.

ولادة مبدأ مونرو: أميركا اللاتينية منطقة نفوذ الولايات المتحدة

في أفكاره المتعلقة بالسياسة الخارجية الأميركية، عكس مونرو أفكار كل من جورج واشنطن وتوماس جيفيرسون. كان على سياسته أن تشكّل امتداداً للسابقين له، وأن تتكيّف في الوقت نفسه مع المتغيرات السريعة في أميركا اللاتينية، والتي تمثّلت في ذلك الحين بالاستعمار الأوروبي في أميركا اللاتينية، واستقلال العديد من الدول عن الإمبراطورية الإسبانية.

أبدت الولايات المتحدة معارضتها الاستعمار الأوروبي، وكانت في الوقت نفسه تريد زيادة تأثيرها وروابطها التجارية في المنطقة، حيث مثّلت الميركانتيلية الأوروبية العائق الأكبر أمام توسعها الاقتصادي.كما خشي الأميركيون من أن تستعيد إسبانيا وفرنسا سيطرتهما على دول أميركا اللاتينية التي أطاحت لتوّها بالحكم الأوروبي (وكانت المؤشرات التي تدل على توسع الوجود الروسي، من ألاسكا في اتجاه أوريغون، مثيرةً للقلق).

كانت لدى بريطانيا أيضاً مصلحة في زوال الاستعمار الإسباني عن أميركا اللاتينية، بسبب القيود التجارية المفروضة. وكان وزير الخارجية البريطاني جورج كانينغ اقترح على الأميركيين إصدار بيان أميركي-بريطاني مشترك لردع أي قوة أخرى عن التدخل في المنطقة. لكن وزير الخارجية الأميركي جون كوينسي آدامز كان ذا رأي مغاير، ورأى أن على الولايات المتحدة إصدار بيان منفصل، لأن بياناً مشتركاً قد يحدّ من التوسع الأميركي في المستقبل. وفقاً له، يجب أن تبقيَ الولايات المتحدة لنفسها "حرية التصرف في حال وقوع ظرف طارئ، وألا تقيّد نفسها بأي مبدأ قد يُستخدم ضدّها لاحقاً". عليها اتباع سياسة عدم التدخل في شؤون الدول الأوروبية، والتركيز على جعل "القضية الأميركية هي الأولوية، والالتزام بها بحزم".

كان لكوينسي آدامز ما أراد. في الثاني من كانون الأول/ديسمبر 1823، توجه مونرو إلى الكونغرس بقوله إن "القارتين الأميركيين، بوضعهما الحر والمستقل الذي اكتسبتاه وتحافظان عليه، ينبغي ألا تُعدّا من الآن فصاعداً مجالاً للاستعمار المستقبلي من قبل أي قوة أوروبية، وذلك كمبدأ تترتب عليه حقوق الولايات المتحدة ومصالحها (...) لم نشارك قط في حروب القوى الأوروبية المتعلقة بشؤونها الداخلية، ولا يتوافق ذلك مع سياستنا (...) أما فيما يتعلق بالتطورات في هذه القارة، فنحن مرتبطون بها ارتباطاً وثيقاً بحكم الضرورة (...) في ضوء العلاقات الودية القائمة بين الولايات المتحدة وتلك القوى [الأوروبية]، نعلن أننا سنعدّ أي محاولة من جانبها لتوسيع نظامها، ليشمل أي جزء من هذه القارة، خطراً على سلامنا وأمننا. لم نتدخل في شؤون المستعمرات أو التبعيات القائمة لأي قوة أوروبية، ولن نتدخل. أما بالنسبة للحكومات التي أعلنت استقلالها وحافظت عليه، والتي اعترفنا باستقلالها (...)، فلا يمكننا أن ننظر إلى أي تدخل من أي قوة أوروبية بهدف قمعها، أو التحكم في مصيرها بأي شكل من الأشكال، إلا باعتباره تعبيراً عن موقف غير ودي تجاه الولايات المتحدة".

هكذا إذاً، أعلن مونرو السياسة الجديدة للولايات المتحدة: لا تدخّل في الشؤون الداخلية للقوى الأوروبيةأو في العلاقات بينها أو في شؤون المستعمرات الأوروبية في أميركا اللاتينية، منع أي استعمار مستقبلي في المنطقة، وعدّ أي محاولة لذلك عملاً عدائياً ضدّ الجارة الشمالية. بكلمات أخرى، حدّد مونرو أميركا اللاتينية بوصفها مجال نفوذ الولايات المتحدة.

وفي حين صوّر مونرو الولايات المتحدة على أنها إلى جانب الحكومات المستقلة في أميركا اللاتينية، أعطى وزير خارجيته تعليمات محددة للدبلوماسيين المبعوثين إلى الدول التي نالت استقلالها عن الإمبراطورية الإسبانية. تضمنت تعليمات كوينسي آدامز توخي الحذر من الحكومات الجديدة، لأنه لم يكن هناك ما يضمن أنها ستقتدي بالحكومة الأميركية وتتخذها مثالاً.

وعلى الرغم من أن كوينسي آدامز أراد الانفصال عن بريطانيا في السياسة تجاه أميركا اللاتينية، اعتمدت الولايات المتحدة إلى حدّ بعيد على البحرية الأميركية لإحباط التوغلات الأوروبية في اتجاه "العالم الجديد"، لأنها افتقرت في ذلك الحين إلى القوة العسكرية والبحرية التي تمكنها من إنفاذ السياسة المعلنة حديثاً. في عام 1833، أي بعد عقد على إعلان مونرو، لم تنفّذ الولايات المتحدة تهديدها بالتدخل عندما استعادت بريطانيا "سيادتها" على جزر فوكلاند وانسحبت منها الأرجنتين. كما أنها لم تتخذ إجراءً ضدّ بريطانيا وفرنسا عندما فرضتا حصاراً بحرياً، مدته 5 أعوام، ضدّ الأرجنتين.

مبدأ مونرو والقدر المتجلي: طموح الولايات المتحدة التوسعي

اقتصر "مبدأ مونرو" على كونه رسالةً وجّهها رئيس أميركي إلى "الأمة" في الأعوام التي تلت إعلانه، حيث لم تتمكن الولايات المتحدة من إنفاذه في القسم الجنوبي من القارة، مع نجاحها في تطبيقه شمالاً خلال أربعينيات القرن التاسع عشر.

في عامي 1845 و1848، أعاد الرئيس الديمقراطي جيمس بولك تأكيد ما أورده مونرو في رسالته في ضوء عقيدة "القدر المتجلي"، أو "حتمية التوسع الأميركي"، وهي الاعتقاد بأن للولايات المتحدة الحق في "توسيع رقعة القارة التي خصصتها العناية الإلهية للتنمية الحرة لملايين [الولايات المتحدة] المتزايدة سنوياً"، كما عبّر عنها الصحافي الأميركي المنتمي إلى الحزب الديمقراطي، جون أوسوليفانللمرة الأولى في 1845، مدافعاً عن ضمّ تكساس (كان جون كوينسي آدامز قد زعم أن لا نية للولايات المتحدة لضمّ تكساس قبل أكثر من 20 عاماً).

كتب بولك عن طموح الولايات المتحدة التوسعي، جاعلاً "مبدأ مونرو" أداةً قويةً لتحقيق ذلك. في عام 1845، أشار الرئيس الحادي عشر للولايات المتحدة في مذكراته إلى "المبدأ الذي أعلنه السيد مونرو"، من أجل تبرير مطالبة الولايات المتحدة بالمكسيك وتكساس وشبه جزيرة يوكاتان وأوريغون.

وبهذا، وسّع بولك "مبدأ مونرو"، فأصبح ينصّ الآن على أن القوى الأوروبية عليها ألا تتدخل في التوسع الإقليمي الذي تخطط له الولايات المتحدة في النصف الغربي من الكرة الأرضية.

خلال ستينيات القرن السادس عشر، وتحديداً خلال الحرب الفرنسية - المكسيكية الثانية، منعت الحرب الأهلية الأميركية الولايات المتحدة من إنفاذ "مبدأ مونرو". لم تتمكن الولايات المتحدة من ذلك إلا بعد نهاية الحرب الدائرة فيها من 1860 إلى 1865، وذلك عندما عملت على بناء بحريتها وتوسيع حضورها الدبلوماسي. وفي عام 1867، كان وزير الخارجية الأميركي ويليام سيوارد (الذي فاوض على شراء ألاسكا من روسيا في العام نفسه، تحت رئاسة الديمقراطي أندرو جونسون)، قادراً على إنفاذ "مبدأ مونرو" لتأمين انسحاب فرنسا من المكسيك.

مع نهاية الحرب الأهلية أيضاً، دخلت الولايات المتحدة مسار صعود حاد. ارتفع إنتاجها من الفحم والحديد في عام 1885 حتى فاق المستويات التي تحققها بريطانيا. كما تضاعف عدد سكانها بفعل الهجرة. وفي الثمانينيات أيضاً، وسّعت الولايات المتحدة بحريتها، ساعيةً إلى التخلي عن اعتمادها على الأساطيل البريطانية لإبقاء القوى الأوروبية خارج أميركا اللاتينية. ثم بحلول نهاية القرن، صعدت الولايات المتحدة على الساحة العالمية بوصفها قوةً عالميةً مقتدرةً اقتصادياً وعسكرياً.

وفي عام 1895، فعّل وزير الخارجية ريتشارد أولني "مبدأ مونرو" في مواجهة بريطانيا، خلال النزاع الحدودي بين فنزويلا وغوايانا، خلال رئاسة الديمقراطي غروفر كليفلاند. أكد أولني، في رسالة إلى السفير الأميركي في لندن، أن الولايات المتحدة "تملك عملياً السيادة" في النصف الغربي من الكرة الأرضية، ولها الحق في التدخل بوصفها "قوةً محايدة" لحل النزاع. بكلمات أخرى، أكد أولني موقع الولايات المتحدة كقوة مخوّلة للتحكيم في أميركا اللاتينية.

ملحق روزفلت: للولايات المتحدة أن تمارس دور الشرطة الدولية

واصلت الولايات المتحدة سعيها لترجمة نموّها الاقتصادي إلى دور مهيمن في الساحة الدولية، وبسطها هيمنتها على أميركا اللاتينية، مع مطلع القرن العشرين. في عام 1899، احتلت الولايات المتحدة كوبا(كان جون كوينسي آدامزقد زعم أيضاً أن لا نية للولايات المتحدة لضم كوبا قبل أكثر من 75 عاماً، وحاول جروفر كليفلاند شراءها من الإمبراطورية الإسبانية لقاء مليون دولار). جاء الاحتلال بعد أن هزمت الولايات المتحدة إسبانيا في الحرب التي وقعت بينهما في أعقاب انفجار السفينة الأميركية "يو أس أس ماين" في ميناء هافانا.

منعت القوة المحتلة الجديدة كوبا من المشاركة في محادثات "السلام"، وأقامت حكماً عسكرياً استمر حتى 1902.انتهى هذا الاحتلال المباشر بـ"تعديل بلات"، الذي أفضى إلى الانسحاب الأميركي من كوبا، على أنتتدخل الولايات المتحدة في شؤون الدولة الواقعة في البحر الكاريبي، وأن تقوم الأخيرة بتأجيرها أراضٍ لإقامة قواعد بحرية، بما في ذلك خليج غوانتانامو. ومن بين الداعمين لـ"تعديل بلات" الجمهوري ثيودور روزفلت، الذي بدأت ولايته الرئاسية في عام 1901.

في عام 1902 أيضاً، فرضت ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا حصاراً على موانئ فنزويلا عندما توقفت حكومتها عن سداد ديونها. وشهدت سانتو دومينغو أزمة ديون أيضاً، هدّدت بأن تقوم هذه الدول الأوروبية بالتدخل العسكري وإنشاء مستعمرات. رأت الولايات المتحدة في هذا تجاهلاً صارخاً لـ"مبدأ مونرو"، ودفعت التوترات بين العديد من دول أميركا اللاتينية والدول الأوروبية روزفلت إلى تعزيزه.

لكن روزفلت لم يكتفِ بتعزيز "مبدأ مونرو"، بل صاغ أكبر توسّع سيشهده هذا المبدأ حتى ذلك الوقت، ليتلازم هذا المبدأ خلال الأعوام المقبلة مع سياسة "العصا الكبيرة" (امشِ بهدوء، واحمل عصا كبيرة) التي اتبعها الرئيس السادس والعشرون للولايات المتحدة.

وجاء التوسيع الذي أعلنه روزفلت في رسالته السنوية إلى الكونغرس عام 1904، حين قال إن "ارتكاب الأفعال الخاطئة، قد يتطلب في أميركا، كما في أي مكان آخر، تدخلاً من إحدى الدول المتحضرة في نهاية المطاف. وفي النصف الغربي من الكرة الأرضية، فإن التزام الولايات المتحدة بمبدأ مونرو قد يدفعها، على الرغم من ترددها، إلى ممارسة سلطة الشرطة الدولية، في حال ارتكاب الانتهاكات الصارخة أو [وجود] عجز واضح".

بموجب هذا الإعلان، جعل روزفلت التدخل في أميركا اللاتينية "مسؤوليةً" على الولايات المتحدة، لا مجرد "حق" مفترض. ويمكن القول إن روزفلت تصوّر العالم على أنه محطة شرطة كبيرة، مقرها الرئيسي يتمثل في الولايات المتحدة. غذّت هذه النظرة عقوداً من "دبلوماسية القوة"، فنزلت قوات المارينز في عدد من دول أميركا اللاتينية، واحتلت الولايات المتحدة بعضها أعواماً.

وودرو ويلسون: نعم لحق تقرير المصير.. ولكن

كان لروزفلت خصم سياسي فيما يتعلق بالقضايا الخارجية، هو وودرو ويلسون. لكن مقاربة "مبدأ مونرو" شكلت نقطة توافق بين روزفلت وويلسون، الرئيس الديمقراطي الذي سيصوّره التاريخ على أنه مدافع عن حق الشعوب في تقرير المصير.

ظهر ويلسون في البداية على أنه يحاول استعادة المعنى الأصلي لـ"مبدأ مونرو"، باعتباره دعوةً إلى "عدم التدخل". كما حاول ربطه برؤية أوسع للوحدة الأميركية، بحيث تتعاون دول القارة بوصفها كيانات متساوية، ثم ربطه لاحقاً بمُثل عصبة الأمم. أما أفعاله فروت قصةً أخرى.

بينما تحدث عن عدم التدخل، أمر الرئيس بتدخل الولايات المتحدة في كوبا وبنما والمكسيك ونيكاراغوا وهايتي وجمهورية الدومينيكان. ولدى المحادثات بشأن ميثاق عصبة الأمم في عام 1919، عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، حرص على ألا يتم بموجبه التنازل عن الدور الأميركي المتمثل بالهيمنة في النصف الغربي من العالم.

الولايات المتحدة "جار جيّد"

شهد عام 1933، وهو عام تولي فرانكلين د. روزفلت رئاسة الولايات المتحدة، ذروة الكساد العظيم. وبالتوازي مع ذلك، صعدت القوى الفاشية في أوروبا واكتسبت مزيداً من النفوذ. وفي أميركا اللاتينية، كان شعور بالنقمة ينمو تجاه الولايات المتحدة لدى الشعوب التي عانت من تدخلاتها واحتلالاتها.

استجابةً لواقع هذه المرحلة، أعلن روزفلت تغييراً في مقاربة الولايات المتحدة تجاه أميركا اللاتينية. تاريخ الولايات المتحدة الحافل بالاعتداءات العسكرية والهيمنة الاقتصادية، وما ولّده من شعور بالكراهية، الحاجة إلى تقوية روابط التجارة مع أميركا اللاتينية بهدف التعافي الاقتصادي، وضرورة تأمين حلفاء في أميركا اللاتينية لصدّ أي تجاوز أوروبي محتمل، كانت عوامل دفعت بروزفلت إلى إعلان "سياسة الجار الجيد"، التي اتسمت في الغالب بعدم التدخل والدبلوماسية بدلاً من القوة المباشرة.

مبدأ مونرو في ضوء "سياسة الاحتواء" خلال الحرب الباردة

مرةً جديدة، عاد "مبدأ مونرو" إلى الواجهة خلال الحرب الباردة. استعانت به الولايات المتحدة مع انتشار الحركات اليسارية والثورية في أميركا اللاتينية من أجل تصوير الشيوعية كأيديولوجية غريبة، مستوردة من روسيا أو الصين، ولا تتوافق مع أسس العالم الجديد.

خضع "مبدأ مونرو" لتعديل آخر، هذه المرة في "ملحق كينان"عام 1947، الذي سمي على اسم الدبلوماسي الأميركي جورج ف. كينان، واضع "سياسة الاحتواء" تجاه الاتحاد السوفياتي. حثّ كينان على احتواء القوة السوفياتية في المراكز الصناعية الأساسية، مثل أوروبا، وقد طُبِّقت توصياتهفي أميركا اللاتينية بصورة مباشرة، على اعتبارها منطقة حيوية لأمن الولايات المتحدة.

كانت النتيجة عقوداً من الدعم الأميركي للانقلابات والديكتاتوريات والعمليات السرية، وقتل الآلاف من السكان. من الانقلاب المدعوم من وكالة الاستخبارات المركزية في غواتيمالا عام 1954، مروراً بأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، إلى دعم نظام بينوشيه الذي استولى على الحكم في تشيلي عام 1973، كانت الولايات المتحدة تستخدم "مبدأ مونرو" كل مرة مبرراً لتدخلاتها، مصوّرةً أي تهديد ثوري من الداخل تجسيداً للتوسع السوفياتي، ويجب قمعه بلا رحمة.

حرب على المخدرات وقوة ناعمة

في حقبة ما بعد الحرب الباردة، شهد تطبيق "مبدأ مونرو" تحولاً كبيراً. حتى عام 2001، ومع زوال التهديد السوفياتي، طبّقت الولايات المتحدة الهيمنة في أميركا اللاتينية واضعةً تدخلاتها في إطار "فرض الاستقرار الداخلي". حصل ذلك في هايتي مثلاً، عام 1994، حين شنّت الولايات المتحدة، برئاسة بيل كلينتون، عملية "دعم الديمقراطية".

ومن عام 2001 حتى عام 2009، طبّق الرئيس جورج دبليو بوش "مبدأ مونرو" بصورة غير مباشرة،عبر شراكات أمنية تهدف إلى "كبح الكارتيلات وحركات التمرد". تمت صياغة "خطة كولومبيا"، التي تشمل حزمة مساعدات ضخمة بمليارات الدولارات، تهدف إلى مكافحةالقوات المسلحة الثورية الكولومبية اليسارية و"تهريب المخدرات". وإضافةً إلى الشراكات الأمنية، عقدت اتفاقيات تجارية ربطت اقتصادات أميركا اللاتينية بسوق الولايات المتحدة حصراً.

مونرو يعود في عهد ترامب

في عام 2013، صرّح وزير الخارجية الأميركي في عهد الرئيس باراك أوباما، جون كيري، أمام "منظمة الدول الأميركية، بأن "مبدأ مونرو انتهى". وفي العام التالي، تم تطبيع العلاقات مع كوبا، في محاولة لتصوير الولايات المتحدة على أنها لم تعد ترى الإيديولوجية "الأجنبية" لجيرانها سبباً لتدخلها. لكن الإدارة التالية، برئاسة دونالد ترامب، أثبتت العكس تماماً. بقي "مبدأ مونرو"، وبرز أكثر قوةً وتوسّعاً.

في نصف ولايته الأولى، عام 2018، استذكر ترامب مونرو ومبدأه على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين أكد أن الولايات المتحدة "ملتزمة في الحفاظ على الاستقلال من اعتداءات أو توسعات القوى الأخرى في النصف الغربي من العالم". وأعاد جون بولتون، مستشار ترامب للأمن القومي حينها، إحياء لغة "مبدأ مونرو"، عندما علّق مثلاً على تقارير بشأن تدخل روسي في الأزمة في فنزويلا عام 2019: "في هذه الإدارة، نحن لا نخشى استخدام عبارة مبدأ مونرو. هذابلد [فنزويلا]في نصف الكرة الأرضية الخاص بنا".

لم تتغيّر هذه المقاربة في الولاية الثانية لترامب، وهو ما تشير إليه تعييناته في فريقه للسياسة الخارجية، وعلى رأسها وزير الخارجية ماركو روبيو، الكوبي الذي عاش في فلوريدا، وأحد أكثر الوجوه السياسية تشدداً في الولايات المتحدة ضدّ الأنظمة اليسارية في أميركا اللاتينية.

وقبيل دخول ولاية ترامب الثانية عامها الثاني، أعلن وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، إطلاق عملية "الرمح الجنوبي" في تشرين الثاني/نوفمبر، والتي استهدفت فيها الولايات المتحدة قوارب في البحر الكاريبي بحجة حملها مهربي مخدرات. في إعلانه، وصف هيغسيث النصف الغربي من الكرة الأرضية بأنه "حي تابع للولايات المتحدة، وهي ستحميه". يعبّر هذا الوصف عن الرؤية التي يتبناها الرئيس الذي نشأ في نيويورك، حيث يتصارع رجال الأعمال والسياسيون وزعماء العصابات على النفوذ. إذاً، "يحوّل ترامب هذه النظرة المحلية الضيقة السائدة في نيويورك إلى نظرة عالمية"، بحسب جون فيلي، وهو سفير أميركي سابق في بنما، البلد الحاضر بكثرة في تصريحات ترامب التي تؤكد عزم الولايات المتحدة السيطرة على قناة بنما.

كما في ولايته الأولى، عبّر ترامب صراحةً عن تبنيه "مبدأ مونرو"، ففي الذكرى الـ202 لإعلانه، أصدر البيت الأبيض بياناً أعلن فيه توسيعاً جديداً، أو امتداداً، له. جاء الإعلان تحت عنوان "ملحق ترامب"، الذي أكد "إعادة ترسيخ الهيمنة البحرية الأميركية، والعمل على تعطيل الممارسات غير المرتبطة بالسوق (المقصود هو النفوذ السياسي والاقتصادي للصين وروسيا، والذي لا يتّبع قواعد التجارة الحرة بالكامل) في سلاسل التوريد والقطاعات اللوجيستية الدولية".

توسعت الإدارةأكثر في شرحها "ملحق ترامب" في استراتيجيتها للأمن القومي، التي نشرتها في وقت لاحق من كانون الأول/ديسمبر. هنا، أوضحت إدارة ترامب بما لا يحتمل اللبس تبنيها سياسة التدخل في أميركا اللاتينية، بحيث عدّت "الالتزام الصارم بعدم التدخل أمراً غير ممكن".

التجنيد والتوسع: استراتيجية ترامب في أميركا اللاتينية

توضح استراتيجية الأمن القومي أن السياسة الخارجية الأميركية ستولي الأولوية لأميركا اللاتينية، حيث ستعمل الولايات المتحدة بموجب "ملحق ترامب" على "منع المنافسين من خارج نصف الكرة الغربي من نشر قوات أو قدرات تهديدية أخرى، أو امتلاك أو السيطرة على أصول حيوية استراتيجياً فيه".

لخّصت الاستراتيجية أهداف إدارة ترامب في هذه المنطقة بعبارة "التجنيد والتوسع". يعني التجنيد أن "تركز الولايات المتحدةعلى تجنيد شركاء إقليميين قادرين على المساعدة في خلق استقرار مقبول في المنطقة". وتطرق الحديث عن التجنيد إلى "وجوب أن تعيد الولايات المتحدة إعادة النظر في وجودها العسكري في نصف الكرة الغربي"، على نحو يشمل "إنشاء أو توسيع نطاق الوصول إلى مواقع ذات أهمية استراتيجية".

في هذا السياق أيضاً، ستعطي الولايات المتحدة "الأولوية للدبلوماسية التجارية، لتعزيز الاقتصاد والصناعات، عبر استخدام التعريفات الجمركية واتفاقيات التجارة المتبادلة كأدوات قوية"، لتصبح المنطقة "سوقاً جذاباً بشكل متزايد للتجارة والاستثمار الأميركي".

وحتى مع إعطاء الأولوية للدبلوماسية التجارية، ستعمل الولايات المتحدة على "تعزيز شراكاتها الأمنية، من مبيعات الأسلحة إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية والتدريبات المشتركة" في أميركا اللاتينية.

أما التوسع فيعني أن تقوم الولايات المتحدة بتوسيع شبكتها في المنطقة، بالتوازي مع تعميق علاقاتها الحالية، بحيث "تريد أن تراها الدول الأخرى كشريكها المفضل، وستعمل بوسائل مختلفة على تثبيط تعاون هذه الدول مع الآخرين".

وفي حين أقرّت استراتيجية الأمن القومي بأن عكس بعض النفوذ الأجنبي، أي الصيني والروسي، سيكون صعباً، فإنها أكدت ضرورة "تسريع الجهود" الهادفة إلى الحد من النفوذ الخارجي، عبر إظهار أن المساعدات التي تقدمها الصين وروسيا ليست منخفضة التكلفة، وحثّ دول أميركا اللاتينية على رفض هذه المساعدات.

وأشارت الاستراتيجية إلى ضرورة التعاون الوثيق بين الحكومة والقطاع الخاص في الولايات المتحدة، في مقابل بذل كل جهد ممكن لإبعاد الشركات الأخرى التي تشيّد البنى التحتية في المنطقة، وأوكلت إلى كل السفارات الأميركية مهمة أن تكون على دراية بفرص الأعمال الرئيسية في البلدان التي توجد فيها. وذهبت الاستراتيجية إلى إدراج مساعدة الشركات الأميركية على المنافسة والنجاح بوصفها "جزءاً من وظيفة كل مسؤول يتعامل مع بلدان أميركا اللاتينية".

استعمار جديد وعسكرة

تعيد استراتيجية ترامب أميركا اللاتينية إلى الصدارة على سلّم السياسة الخارجية الأميركية، وتؤسس لوجود استعماري جديد للولايات المتحدة في المنطقة، مع المخاطرة بعسكرة مشكلات ليست عسكريةً بطبيعتها.

ولو أجرينا مقارنةً بين الإعلان الأول لمونرو، وإعلان ترامب وسياسته في الوقت الحالي، لوجدنا أن القاسم المشترك يتمثل بمرور العالم بلحظة تاريخية حرجة. في بيانه عام 1823، حاول مونرو أن يصوّر أميركا اللاتينية على أنها جزء من مجتمع واحد من دول العالم الجديد في نظر الولايات المتحدة، ليجعل ترامب المنطقة بعد قرنين ساحةً للتنافس العالمي، ومكاناً لاستخراج الموارد، وتأمين سلاسل التوريد، والحد من النفوذ الصيني والروسي، وإنهاء الهجرة.

وهنا، يمكن طرح سؤال حول محاولة ترامب عولمة "مبدأ مونرو"، وتجاوزه القارة الأميركية، ليعطي الولايات المتحدة الحق في الرد أحادياً على التهديدات، ليس فقط داخل نصف الكرة الغربي، بل في أي مكان على وجه الأرض.

 

كاتبة لبنانية مقيمة في الولايات المتحدة