قبل أسابيع قليلة انتشر خبر على لسان صحيفة "نيويورك تايمز" الشهيرة مفاده بأن دولة الكيان الصهيوني تقوم ببناء مخيمات للاجئين اللبنانيين الذين لا بد وأنهم - نتيجة للأوضاع الاقتصادية المهترئة في لبنان، ونتيجة للانهيار الاجتماعي الحاصل هناك – سيفرون إلى شمال فلسطين المحتلّة هاربين من الواقع الكارثي الموجود في بلدهم الأم. وحصل أن تناقل ناشطون هذا الخبر بكثافة عبر مجموعات "الواتسآب" وفي صفحات "الفيسبوك"، وأجريت حوله نقاشات على منصة "كلوب هاوس"، وذهب بعض المحللين الاستراتيجيين لتداوله عبر لقاءاتهم الإعلامية على الفضائيات. لم يكلّف أحدٌ ممن نشر الخبر وتداوله نفسه عناء أن يتصفح موقع "النيويورك تايمز" نفسه ويطالع الخبر الذي لا وجود له أصلاً.

ظاهرة راسخة

هذه الظاهرة تكاد تكون عادة راسخة في عالمنا العربي، وهي تحصل في كل يوم وفي كل ساعة عندما يقوم أحدهم باستقبال خبر أو منشور ويقوم بإعادة توجيهه لثلة من الأصدقاء، فيخرج أحد علينا ليقول بأن حصل على معلومة من مصدر موثوق. وقد حصل أنني ذات يوم كنت حاضراً في ندوة حوارية حول السياسة الخارجية السورية والأزمة السورية لشخصية مخضرمة معروفة في الوسط السياسي والإعلامي، وتناولت تلك الشخصية في معرض كلامها لقاءاً حديثاً أجراه "هنري كسينجر" أشهر وزراء الخارجية الأمريكيين السابقين وعراب السياسة الخارجية الأمريكية لسنوات مع مجلة "نيويوركر" الأمريكية، قائلاً على لسان "كسنجر" أشياء لا تدخل بعقل قارئ نهم أو باحث مختص في شؤون العلاقات الدولية، ولا تنطلي على من قرأ سيرته وكتبه وبحث فيها. كان مصدر تلك المعلومات التي وردت على لسان المحاضر من منشور تم تداوله عبر التواصل الاجتماعي، وكان فيها الكثير من المديح للقيادة السورية والسياسة الخارجية في سورية، الشيء الذي لا يمكن أن يقال على لسان ثعلب مثل "كيسنجر". أثناء تلك الندوة قررت أن أناقش ذلك المحاضر بما قال، وقبل أخذ الإذن في النقاش تناولت هاتفي المحمول وتصفحت موقع مجلة "نيويوركر" ليتبين ألا وجود لأي مما ذكر في الحديث، والأكثر من ذلك أنه في ذلك الوقت لم يكن "كيسنجر" ذات نفسه قد أجرى أي لقاء أو مقابلة أو أعطى أي تصريح لتلك المجلة العريقة منذ سنوات بعيدة، كنت متأكداً من ذلك قبل أن أبحث لكن الأمر كان يستحق المغامرة! فناقشت تلك الشخصية بأن جزء مما ورد على لسانه لا أصل له، فارتبك وكان رده بأنه حتى ولو لم يكن كلامه صحيحاً فإن ما قيل هو حقائق دامغة!

مذكرات السياسيين مسارح للخيال

بمثل هذه اللقاءات والمعلومات الملفقة والمستقاة من مصادر غير دقيقة تنتشر الأخبار الزائفة والإشاعات والمقولات التي لا أصل لها، ويتداولها الناس كما يتداولون القصص والنوادر الشعبية، فعلى سبيل المثال، وفي غمرة الدفق الكثيف القادم من وسائل التواصل الاجتماعي، قد نقرأ منشوراً عن معلومات وردت في مذكرات "بل كلنتون" أو مذكرات زوجته "هيلاري" وهي غير موجودة أصلاً أو أتت في سياق مختلف تماماً في تلك المذكرات عما يبتغيه مؤلفها أو من يحدث الناس فيها، والمشكلة تكمن في أن المذكرات تلك موجودة وفي متناول اليد ليست بعيدة المنال، لكن لا يكلّف أحد ما  عناء نفسه التأكد منها قبل أن يقوم بالضغط على زر "مشاركة"! لغياب الوعي من جهة ولأن الناشر الأول قد يكون موقعاً رصيناً أو صفحة الكترونية أو حتى وسيلة إعلام محترمة أو شخصيات عامة تعمل في الشأن العام قامت ببناء مصداقية لدى الجمهور، فوقعت ضحية تضليل ما، ونسيت أو ربما تناست أن تتقصى صحة المعلومة، لأن المعلومة بحد ذاتها تخدم قضية الشخص أو المنصة الناشرة.

وثيقة لا وجود لها

وإذا أردنا التعمق في الموضوع بشكل أكبر باحثين عن أمثلة  لوجدنا أن واحدة من أشهر الوثائق التي تبناها كثرٌ من المفكرين الذين بحثوا وكتبوا بتاريخ القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني وتبنتها تيارات وأحزاب ومنظمات في أدبياتهاوهي ما تعرف بـوثيقة "كامبل بنرمان" هي وثيقة لا وجود لها بشكل نصّي أو وثائقي أو كمصدر علمّي موثق كما هو معروف، فتلك الوثيقة "السرية" قيل أنه تم تبنيها في المؤتمر الاستعماري الامبريالي البريطاني عام 1907، وبني عليها الكثير  من الروايات والكتب والأبحاث والأعمال الأكاديمية، وكانت أينما وجدت في عمل أكاديمي أو كتاب أو دراسة تُحال إلى مصدر في كتاب أو بحث سبقه، ولم يشر أحد إلى الوثيقة الأصلية، على الرغم من أنالمعاني والدلالات والمعلومات المنسوبة إليها كانت قد وردت في كثير من الأدبيات والنصوص والمذكرات الصهيونية والبريطانية الاستعمارية آنذاك، لكن لا وجود لهذه الوثيقة في أي أرشيف أو مكتبة وثائق بريطانية أو غربية  ولا ذكر لها أو لأي إشارة تخصها  حتى في كتب السير والمذكرات ولا في الصحف الصادرة آنذاك . هذه النتيجة حصل عليها الباحث والمفكر أنيس صايغ، الذي بذل مجهوداً كبيراً للكشف عن أصل وأساس هذه الوثيقة وأورد تفاصيل رحلة البحث عن أصل هذه الوثيقة في مذكراته، حيث توصّل بعد رحلة شاقّة من البحث من لقاء أول من تحدّث عن هذه الوثيقة في كتاب منشور وقد قال له أنه التقى رجلاً هندي الجنسية على الطائرة في الطريق من فلسطين إلى لندن، وروى له عن الوثيقة وعن المؤتمر الاستعماري الامبريالي الذي حضره عشرات العلماء والمفكرين والسياسيين واتفقوا على إقامة دولة لليهود وتقسيم الدول العربية، وانتهى اللقاء بتبني ذلك الكاتب للرواية دون أن يزوده الرجل الهندي بأي مرجع أصلي للوثيقة أو المقررات!

بطبيعة الحال لا ننفي في هذا المقال حقيقة ما ورد فيما يسمى "وثيقة كامبل بنرمان"، وقد أثبتت الأيام صحة محتوى ما يشاع أنه ورد فيها، لكن عدم وجود دليل محسوس يجعل من عملية البحث التاريخي ألعوبة، ويجعل من أبحاثنا التاريخية مجرد حلقات بحث لهواة يحملون أسماء كبيرة في تأصيل التاريخ والبحث العلمي التاريخي.

سوالف شعبية من صفحات التاريخ

وإذا ابتعدنا عن التاريخ المتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني، واتجهنا إلى تاريخنا الحديث المليء بنوادر وقصص من هذا القبيل، فسنجد عشرات القصص المتداولة وغير المسندة إلى أي سند صحيح أو وثيقة على الرغم من وجود ما يدحض وجودها جملة وتفصيلاً عدا عن أنها بعيدة عن المنطق، فعلى سبيل المثال هناك قصة متداولة وتروى بكثرة في الصحف والكتب والأبحاث وعلى صفحات التواصل الاجتماعي حول دخول زيارة الجنرال "غورو" لقبر صلاح الدين الأيوبي عند دخوله إلى دمشق قائلاً له "هاقد عدنا يا صلاح الدين"، هذه القصة على الرغم من إمكانية حصولها وربما تكون قد حصلت، لكن لا يوجد لها أي سند في الكتب أو الصحف أو حتى في التأريخ الشفوي الموجود من تلك المرحلة، إنما المرة الوحيدة التي وردت فيها معلومة مشابهة كانت في مذكرات ضابط فرنسي لم يذكر بها "غورو" أصلاً، مع العلم بأن "غورو" كان رجل بروبغندا  ومصور هاوٍ يقوم بالتقاط الصور أينما حلّ، ولا وجود لصورة له في ضريح صلاح الدين! وهنا نحن لا ندافع عنه ولا ندحض المعلومة بقدر ما نقول إن هذه المعلومات المنسوبة له غير موثقة وغير دقيقة. وهناك العشرات من السوالف الشعبية والقصص كقصة "غورو" عن أحداث وزعماء وطنيين وتفاصيل ومعارك بما فيها روايات مفصّلة عن الاستقلال تحولت إلى تاريخ يرويه الناس ويتم تداولها على أنها جزء أساسي من التاريخ الحديث والمعاصر وهي قصص لا تأصيل لها من التاريخ والحديث والمعاصر، ولا دليل على حصولها يتناقلها الناس جيلاً بعد جيل، ومن أقل الناس علماً حتى أعظمهم مكانة علميّة وبحثية، وهذا الأمر يندرج  بشكل أكبر على التاريخ القديم والوسيط والحديث أيضاً.

كي لا تتحول الشائعات إلى حقائق تاريخية

نروي هذه الأمثلة  لنقول بأن انتشار الشائعات والأخبار والأحداث المغلوطة قد يجعلها حقائق تاريخي، وهذه دروس ينبغي أن نتعلم منها ونعيها تماماً لأنه من المعيب ونحن نعيش بهذا العصر أمام ما نتعرض له اليوم من دفق آت من الانترنت ومجتمع المعلومات المفتوح أن تمر قصصاً وروايات غير صحيحة وترسخ على أنها أحداث تاريخية، وبالتالي نحن نحتاج إلى وعي رقمي من نوع آخر، فالمصادر موجودة والبحث للتأكد عن صحة المعلومة بات بسيطاً وسهلاً وليس بمتناول اليد فقط، بل باليد من خلال الأجهزة الجوالة والحواسب اللوحية وغيرها من الأدوات الذكية التي تحيط بنا ونتعامل معها على مدار الساعة والدقيقة. وعندما نتحدث عن الجيل الرابع للحروب وعن الشائعات وطرق دحضها علينا أن نعي بأن مكافحة الأخبار المغلوطة هو واجب على الأكاديميين والباحثين وناشطي الشأن العام والمؤثرين الذي يعتلون المنابر ويخاطبون الناس ويوجهون الرأي العام، لا أن يتناقلوها دون التأكد منها وبالتالي يرسخوها كحقائق وأحداث تاريخية يتداولها العامة، وعلى المؤسسات الإعلامية  العمل على تثقيف الناس بمصادر المعلومات الأصلية، فمقال مترجم على موقع غير مشهور، لا يعني أن المقال موجود في مصدره الأم المذكور أصلاً، ومقال آخر يحتوي على معلومات مصدرها موقع "ويكيبيديا" ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً ومؤصلاً ومسنداً لأنه موقع مفتوح يحرره أي شخص كان،  وكلام صريح عن مؤتمر مبهم هنا أو اجتماع سري هناك دون إثبات أو وثيقة أصلية لا ينفي ولا يثبت قيام الاجتماع أو المؤتمر، لكن لا يجعل من هذا الاجتماع أو المؤتمر حدثاً تاريخياً يبنى عليه وعي جمعيّ للجمهور، وهو ما صار عادة أصيلة في إعلامنا العربي وعلى لسان مؤثرينا في السياسة والاقتصاد والفن والاجتماع، وهو أمر في غاية الخطورة والقبح حتى وإن كانت المعلومات غير الصحيحة أو غير الموثقة أو غير المسندة تخدم قضايانا وتتحدث باسمنا.