لم تكن العلاقات بين الاتحاد السوفياتي وتركيا ودية بأي حال. لقد ساد انعدام الثقة المتبادل بينهما طيلة مرحلة الحرب الباردة. بالنسبة لموسكو، شكلت أنقرة تهديداً كبيراً مع عضويتها في الناتو. اعتبرت موسكو عضوية تركيا في الناتو تهديداً لها. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بدأت العلاقات التعاون التجاري يتحسن تدريجياً بدلاً من التهديدات المتبادلة. فارتفع حجم التجارة من 700 مليون دولار عام 1992، إلى 4.5 مليار دولار عام 2000 و32 مليار دولار عام 2013.

اليوم يتحدث المسؤولون الأتراك عن هدف زيادة حجم التجارة  إلى 100 مليار دولار. بالرغم من أن تركيا وروسيا على طرفي نقيد في كثير من القضايا الإقليمية كسوريا وليبيا.

هكذا نجد أن حجم التجارة بين البلدين، والذي كان 29 مليار دولار في عام 2011 عندما بدأت الأزمة السورية، ارتفع إلى 31 مليار دولار في عام 2014. صحيح، هو انخفض عام 2015 بعد حادثة إسقاط تركيا الطائرة الروسية في 24 تشرين الثاني 2015 إلى نحو 17 مليار دولار عام 2016؛ لكنه ارتفع بعد اعتذار تركيا عام 2017 إلى 22 ملياراً، وفي عام 2019 ارتفع مرة أخرى إلى 26 مليار دولار. من ناحية أخرى، يجب الالتفات إلى ما يلي: يصب حجم ميزان حجم التجارة الروسية مع تركيا لصالح روسيا. مراقبة الأرقام في السنوات العشر الماضية مذهلة للغاية. عام 2013، بلغت صادرات تركيا إلى روسيا 6.9 مليار دولار، في حين بلغ إجمالي الميزان التجاري بين البلدين 25 مليار دولار. بعبارة أخرى، كان هناك ميزة قدرها 18 مليار دولار تصب في مصلحة روسيا. عام 2016، انخفض الميزان التجاري إلى 17 مليار دولار، تراجع حجم صادرات تركيا إلى روسيا لحدود الـ2 مليار دولار، فيما بلغت قيمة الصادرات الروسية إلى تركيا 15 مليار دولار.

يحاول الكثير من الناس استخلاص النتائج بخصوص تحالف الدول أو صراعها من خلال مواقفها من القضايا الإقليمية فقط، دون النظر إلى علاقاتها المتبادلة على المستويين السياسي الأكبر، والاقتصادي، ولذا نجدهم يخطئون التقدير. مسألة تحول الموقف التركي مع بدء مسار أستانا في ديسمبر 2016، يبدو مسألة غريبة بعض الشيء. في السياسة منعطفات وتحولات كثيرة، هذا ما ينبغي أن نفهمه. كمثال، بعد أن أسقطت تركيا طائرة سوخوي الروسية - بسبب الخوف - نهاية عام 2015، لم تقم تركيا بالتحليق بطائراتها الحربية حتى في مجالها الجوي. لكنها عادت، بعد قبول موسكو اعتذارها، لتشن عملية درع الفرات في 26 آب 2016 داخل الأراضي السورية. ثم عملية "غصن الزيتون" بعد "درع الفرات"، ثم "نبع السلام" بالتشاور مع كل من روسيا وأميركا.

اليوم، تسمح روسيا للكيان الصهيوني بمهاجمة سوريا باستمرار رغم تسبب هذه الغارات بإسقاط طائرة روسية. يصرح النظام الإسرائيلي بوضوح أنه يضرب أهدافاً إيرانية في سوريا. يجيب حجم تجارة روسيا مع الكيان الإسرائيلي البالغ 3 مليارات دولار عام 2019، و1.6 مليار دولار مع إيران، على هذا السؤال؛ أن تكون موسكو وطهران في نفس الجانب في سوريا لا يعني أن تكونا حليفتين. كما أن التواجد على الجانب الآخر لا يمنع الشراكة.

هذه الصورة العامة للعلاقات الاقتصادية تخبرنا عن حقيقة "العلاقات التركية الروسية". إذ يمكن تلخيص واقع العلاقات بين تركيا وروسيا اليوم على النحو التالي:

1- تعتبر روسيا تركيا سوقاً مربحةً للغاية. فعدم وجود موارد طبيعية - كالنفط والغاز الطبيعي - في تركيا بشكل كافٍ، يدفع أنقرة للسعي للعب دور "محور الطاقة" من خلال مد خطوط الأنابيب عبر أراضيها، ولروسيا في هذه المسألة تأثير كبير.

2- تحاول روسيا من خلال تعزيز علاقاتها في المجال العسكري مع تركيا إلى تعطيل علاقات تركيا مع الولايات المتحدة. مسألة صواريخ S-400 الروسية، تعتبر مثالاً صارخاً.

3- تعطي روسيا، من خلال حضورها الجيوسياسي، "رشوة من مال شخص آخر" في محاولة لتفعيل دور بنّاء لتركيا. كمثال، قادت تركيا "مجموعة أصدقاء سوريا - الأميركية" ودعمت كل الجماعات  العشوائية المسلحة داخل هذه المجموعة. لكن أنقرة وبعد المشاركة في عملية أستانا، على الأقل سياسياً، اعترفت بـ"إرهابية" بعض الجماعات المسلحة. وتولت دور الفصل بين الجماعات "المعتدلة" والجماعات الإرهابية، وإشراك "المعتدلين" في العملية السياسية. هذا كله لم يكن ليكون لولا معركة تحرير حلب. فلقد أنهت معركة حلب كل آمال تركيا وأرغمتها على الذهاب إلى أستانا ليتم تضمينها في عملية تقارب مع سوريا وفق رؤية روسية.

4- تسعى تركيا إلى تحقيق أكبر فعالية سياسية في سوريا، من خلال الموازنة بين تطلعات أميركا وتصورات روسيا، باستخدام ميزان المصالح في تنافس كل من موسكو وواشنطن ضد بعضهما البعض. فعندما يتعلق الأمر بـ"إنقاذ إدلب من الإرهابيين"، تحاول أنقرة الاتكاء على العصا الأميركية. أما عندما يتعلق الأمر بشرق الفرات، فإنها تسارع لطلب المساعدة من روسيا. وبهذه الطريقة تحاول أنقرة إطالة أمد مسألة الإرهاب في إدلب، وكسب أراضٍ من المناطق الكردية في سوريا قدر المستطاع.

المسألة الأخرى، أن ليس لأميركا حلفاء في المنطقة يمكنهم التكيف مع تركيبة بايدن الحالية. نعم، بايدن غير مرتاح مع محمد ابن سلمان بسبب ما يسمى بحرب اليمن وقضية خاشقجي، وهو غير مرتاح لأردوغان بسبب صواريخ إس -400. لكنه بحاجة إلى أردوغان في سوريا، وابن سلمان في المنطقة العربية لتعبئتها ضد إيران.

تعرف أنقرة جيداً الإحباط الذي يعيشه بايدن، وهي تعرف كيف تقنعه. من هنا، هي تحاول الاقتراب من السعوديين ومصر والإسرائيليين. على ألا تُهمل التوازن بين روسيا وأميركا. من هنا، تحاول أنقرة منح الثقة لروسيا بالقول إنها لن تقدم تنازلات بخصوص الأس -400 وأنها تريد زيادة حجم تجارتها مع موسكو إلى 100 مليار دولار أميركي. من جهة أخرى، تطرح مشروع قناة اسطنبول، وتلمح إلى إمكانية إلغاء اتفاقية مونترو، مع ما يحمله ذلك من نقل أميركا إلى البحر الأسود، وتبعث برسالة للولايات المتحدة مفادها أنها مستعدة للوقوف إلى جانب أوكرانيا ضد روسيا.

تحاول تركيا شراء الوقت بوقوفها عند حدود التوازن بين موسكو وواشنطن. هي تعلم أنه إذا ما وضع أي من الطرفين حداً لهذه اللعبة فسيكون ذلك مكلفاً للغاية بالنسبة لها.

 

الأزمة الأوكرانية - الروسية من منظور تركي:

خلال الحرب الباردة، كانت تركيا حريصة على ممارسة النفوذ على آسيا الوسطى والقوقاز باستخدام الروابط الوطنية والدينية والثقافية. بعد انهيار السوفييت، حاولت مرة أخرى ترجمة هذا الحماس. هذه ليست مجرد نزوة لحزب العدالة والتنمية. حتى السلطات في تركيا، التي كانت قد نفذت في السابق سياسات علمانية صارمة للغاية كحظر الحجاب، هي شجعت جماعة فتح الله غولن على فتح المدارس في آسيا الوسطى والقوقاز. تصرفت جماعة فتح الله غولن هناك كمنظمة استخباراتية أكثر من كونها مجتمعاً دينياً.

في الواقع، كانت هذه الرؤى والسياسات نابعة من أثر نظريات نيكولاس سبيكمان في العقل السياسي التركي. مشروع الحزام الأخضر القائم على تعبئة الشعوب الإسلامية من أجل المصالح الأميركية ضد السوفييت، وروسيا اليوم، هو مشروع تركي في الأساس. لقد اعتقدت تركيا أنها يمكن أن تقود هذا المشروع بسبب روابطها العرقية والدينية. على سبيل المثال، بعد الحرب الباردة، كان الشعار الأكثر شعبية في تركيا هو "العالم التركي من البحر الأدرياتيكي إلى سور الصين العظيم". بالطبع، لم يكن لمثل هذا المشروع حقيقة، ولكن كان يُعتقد أنه يمكن أن يثير الرأي العام داخل أميركا وخارجها من أجل تبنيه.

أوكرانيا ليس لديها علاقات مشتركة مع تركيا عرقياً أو دينياً. لكن حرص تركيا على ممارسة نفوذها في المجال الحيوي الروسي، دفع أنقرة دائماً إلى موقف مؤيد لأوكرانيا. إن أي تطور في المجال الحيوي الروسي يمكن أن يفتح مجالاً للنفوذ التركي أو الأميركي، ويكفي لجعل تركيا مركز الاهتمام. يمكن أن تكون مناطق التدخل مسلمة، كالشيشان، ويمكن أن تكون غير مسلمة أو تركية كجورجيا وأوكرانيا. تركيا ليست مهتمة بشراكات دينية أو ثقافية، بل بمعارضة روسيا، وهذا كل ما تبتغيه.

أما روسيا فمنزعجة من اهتمام الناتو بالبحر الأسود. هي تنظر إلى قضية أوكرانيا وشبه جزيرة القرم مباشرة على أنها مسألة أمن وطني. اللافت أن أحداث شبه جزيرة القرم، ومسألة انسحاب تركيا من اتفاق مونتروـ كانتا قد خرجتا إلى السطح في وقت واحد. لقد حدد اتفاق مونترو المؤرخ بـ22 حزيران من سنة 1936 الوضع القانوني لمضيقي اسطنبول والدردنيل، وحظر – بمعنى من المعاني - على الولايات المتحدة مرورها إلى البحر الأسود.

من هنا يريد حزب العدالة والتنمية فتح قناة تربط بحر مرمرة بالبحر الأسود على الجانب الأوروبي من اسطنبول. بما أن اتفاقية مونترو هي اتفاقية تنظم المرور عبر مضيق البوسفور والدردنيل حصراً إلى البحر الأسود، فإن القناة الجديدة يمكن أن تُشكل معبراً للسفن الحربية الأميركية نحو البحر الأسود دون أي قيود. وهذا ما صعد من حدة التوتر بعد طرح أردوغان مشروع القناة بالتوازي مع أحداث القرم. كما أدى إعلان حزب العدالة والتنمية إمكانية انسحاب تركيا من اتفاقية مونترو بموجب مرسوم سيادي (من طرف واحد)، فاقم التوتر والقلق لدى روسيا. كل ذلك ترافق مع بيع تركيا لطائرات بدون طيار مسلحة إلى أوكرانيا، وسماحها بمرور سفينتين حربيتين أميركيتين إلى البحر.

في 11 نيسان 2021، استقبل الرئيس أردوغان الرئيس الأوكراني زيلينسكي في اسطنبول. وقال إن تركيا " تدافع بقوة عن السلامة الإقليمية وسيادة أوكرانيا". كما شدد على "القرار المبدئي بعدم الاعتراف بضم شبه جزيرة القرم"، وقال "نحن مستعدون لتقديم أي دعم لأوكرانيا”. هكذا وبعد يوم واحد، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أنه لا ينبغي شحن الأسلحة إلى أوكرانيا ، محذرا تركيا بالقول "لا تغذي النار".

وإذا أرادت روسيا الرد على موقف تركيا من أوكرانيا وتيسيرها لدخول أميركا إلى البحر الأسود، فقد تكون إدلب عنوان تلك الإجابة. في مثل هذا السيناريو، سيكون على تركيا الاختيار، بين أن تدعو أميركا مرة أخرى للتدخل أو التراجع عن أوكرانيا إذا اعتبرت إدلب أكثر أهمية من أوكرانيا.