كنت أحب الجلوس معه لأنه طَلِق فصيح، يحكي الحكايات ويقتبس الأشعار والأقوال المأثورة والآيات القرآنية والعبارات العبثية من دون مشقة أو تكلف، ولأنه كان بعد كأس الويسكي الثاني يبدأ في نسج الحكايات. فالضيوف الأمريكيون يذكرونه في طريقة ارتدائهم لنظاراتهم بالمارينز، يقولها في خبث ولا يمهلنا لنسأل إذ يأخذهم إلى غرفة مغلقة بينما نحن غارقون في  ملف المصالحة وفي أرشيف الحرب، ورحلاته إلى واشنغطن هي ليصاحب شخصا لا يحب أن يركب الطائرة وحده ويريد أن يقدمه إلى أصدقاء له هناك (يقولها في غموض كأنه يشي بخطورة أصدقائه هؤلاء). وحكايات أخرى لم أتبين تفاصيلها أو أتمكن من تذكرها، كانت تثير حفيظتي واهتمامي في آن.
كنت أعجب لهذه القدرة على جمع الملفات النبيلة، كالمصالحة والمخطوفين، والمشبوهة في آن، ولقدرة سعيد الجن أن يوحي بأنه خلف الحكاية حكاية وهو ينفث دخان سيجارته كما لو كان يمثل فيلمًا للجاسوسية أراد مخرجه أن تدور أحداثه في بيروت السبعينيات.


***

كان سعيد ينتمي إلى بيروت ما قبل الحرب الأهلية حيث يجلس المغامرون والمناضلون والجواسيس والمشاهير وتجار القضية في نفس الحانة، وكان يحب هذا الجو المغامر والمشبوه ويجد فيه نفسه. وكان قد أعاد تجميع هذا الجو في قبو منزل فاره في ضاحية بيروت الجنوبية. وكنا نحن العاملين معه لا نقاوم جاذبية هذا الجو وسعيد الجن يغذيها بالحكايات فإن نفدت الحكايات غذاها بأبيات الشعر من أول ما كتب في الجاهلية إلى ما كتب في خضم الحرب الأهلية. 

كان سعيد ابن أبيه ولم يكن؛ كان أبوه من شيعه لبنان الذين عزفوا عن الاتجاه يسارا، أرستقراطيا يمج الأحزاب التي تسلح الفقراء باسم الماركسية أو باسم نصرة المستضعفين والمحرومين، ويستغل نفوذه في فتح قناة دبلوماسية ما بين شاه إيران وما بين حزب الكتائب والجبهة اللبنانية الوليدة؛ ولهذا ما إن اندلعت الحرب انضم سعيد إلى أكثر تنظيمات الحركة الوطنية اللبنانية يسارية وتطرفا.
وبينما هو يحبو مع رفاقه على بطونهم  وعنصر من عناصر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يطلق النار فوق رؤوسهم ضمن تدريب بالذحيرة الحية، تساءل عن مغزى ذلك كله. لحظة من الصفاء الذهني تحت وابل الرصاص أعادت سعيد إلى مسار أبيه اليميني، وإلى مساره العبثي المغامر: ما دامت الحياة عبثا، وطلقة طائشة أو حركة لا إرادية ضمن تدريب بين الرفقاء بينما أنت تحتضن بندقيتك وتحلم بدحر الصهيونية والإمبريالية والانعزالية وبتحرير فلسطين وبلبنان اشتراكي لا طائفي، قد تقضي على ذلك كله، فلنقضها عبثا. 
لكن شيئا من جماليات المرحلة لم تغادر سعيد وهو يغير وجهته
شيئا من هيفا التي تنتظر الباص على مفرق تل الزعتر
"دخلت في الليل تبكي
أشرقت قنبلةً في شارع الأسعد
ماجت بين عطر الورد والبارود
وانحلت على الجسر دموعا"
قُتِل الشاعر موسى شعيب بعد هذه القصيدة بثلاث سنوات والحرب العراقية الإيرانية تلقي بظلالها على الضاحية الجنوبية لبيروت وبعد سنة واحدة من قصيدته "أسرج خيولك" في مدح صدام حسين، و
"كانت بيروت على الشرفات مواعيدا
وهوى مكتظا بالورد
هوي يتهيأ للرحلة خلف الورد
وينشر للصيف ضفائره
كانت هيفا تنتظر الباص
وتحلم بالصيف، 
وتضحك
لما اشتعلت كل الشرفات
هيفا تسقط من شرفات الورد
وهيفا تطلع من ورد الشرفات"
وسعيد الجن ظل ينتمي إلى خط تماس  الشياح-عين الرمانة (وهو القادم من عائلة شيعية ذات هوى ماروني كتائبي، وهو الذي سيمد دكاكينه الممولة من السفارة الأمريكية على جانبي الخط حين يعود بعدها بثلاثة عقود أو أربعة) حتى عندما تغير خط التماس وتغير هو.
 مع نهاية حرب السنتين كان تنظيمه اليساري قد أصبح بوابة عبور للكثيرين إلى وظائف أكاديمية وثقافية نخبوية تواري عدم انحيازها السياسي بلغة فضفاضة حمالة أوجه وبعلاقة ملتبسة بماضيها الملتزم—وأحيانا بوابة عبور إلى أقصى اليمين، بعد أن لعب هذا التنظيم دوره في إشعال فتيل الحرب (وعندما قال كمال جنبلاط بعزل الكتائب فسر نائب الأمين العام لهذا التنظيم الكلام على أنه إطلاق سريع للنار قبل أن يعود بعدها ويلقي باللائمة الأخلاقية على الحركة الوطنية برمتها من دون نقد مفصل لدوره هو). سيقال فيما بعد بأن هذا التنظيم كان يحركه موظف في السفارة الكوبية زرعته المخابرات الأمريكية، ولكن هذا ربما لا يعدو أن يكون دعاية تداولها منافسو التنظيم الناصريون والقوميون العرب داخل الحركة الوطنية اللبنانية ذاتها.
"في الزمن الغابر كان العرافون يطوفون على الناس
يسمون الأشياء بأسماء رائعة
في الزمن الغابر كان الناس يطوفون على العرافين
وفي الزمن الغابر...
في الزمن ال..."


***

كنت أسأله وأنا أدلف إلى سياريته إن كانت ستنفجر بنا فكان يضحك ويقول ربما. لم يكن مشروع شهيد؛ كان من صنف أكثر ندرة جاهز للموت لا من أجل قضية ومبدأ ولكن من أجل مغامرة عبثية. ربما كان يضحك كذلك من الذين سيرثونه ويجعلون منه شهيداً. 
وقال لي إنه يستطيع أن يجد لي عملا مع مركز الشرق الأدنى لدراسات السياسة الخارجية. لم أكن أعرف وقتها ما هو هذا المركز، فذهبت إلى أستاذة متخصصة في الشؤون الأمريكية (ليست مثلنا من جماعة "الحناجرة" بالمناسبة) فحذرتني من أن هذه المؤسسة هي "الذراع البحثي للوبي الصهيوني". حكيت لها أكثر عن سعيد الجن ومن حوله فنصحتني أن أبتعد وقالت بالحرف الواحد إن هذه "خلية صهيونية".
ومنذ ذلك الحين آثرت السلامة وابتعدت. قلتُ في نفسي "لا أريد أن أنفعك يا سعيد ولا أبتغي منك نفعاً".
فيما بعد ستتوالى التسريبات والأخبار الموثقة والشائعات لترسم لنا ملامح الضيوف الأمريكيين الذين لم نتبينهم في البداية، وستنبئنا بأن علاقته بالسفارة الأمريكية تعدت التمويل الذي تقدمه أمريكا عادة لـ"منظمات المجتمع المدني" إلى علاقة تنسيق وتبادل معلومات، وأن زياراته لأمريكا "مع صديقه الذي يخشى ركوب الطائرة وحده" كانت لتقديم أحد رجال الدين الشيعة إلى الكونغرس الأمريكي ودوائر صنع القرار في واشنغطن، وأن علاقته باللوبي الصهيوني لم تقتصر على أذرعته البحثية بل تعدته إلى محاولات ترتيب لقاءات مع إسرائيليين في العاصمة الأمريكية. 
كانت لعبة سعيد الجن أخطر مما تصورنا في البداية، وكانت نهايتها ست رصاصات مجهولة المصدر.