على الرغم من تراجع إيقاع العمليات العسكرية في سوريا، إلا أن الحرب لا تزال تمثل "الإطار الإرشادي" أو "المرجعي" لكل ما يجري في الحدث السوري والإقليمي. وهذا يقتضي التأكيد على نقطة قد تمثل إحدى البداهات الرئيسة - لكن المُغفَلَة أحياناً – في قراءة الحرب، وهي أن الصراع هو الثابت الرئيس تقريباً في السياسة، وأن "ما بعد الحرب هو الحرب"، وأن هذه المنطقة هي واحدة من بؤر الصراع الدائمة في العالم، ولا من نهاية لذلك في الأفق القريب.

***

قانون قيصر الأميركي هو قانون حرب، بكل ما تعنيه الكلمة، بما يُصرِّح به، وبما يسكت عنه أو يُضمره، وعلى الرغم من أن ما يفصح عنه كبير، إلا أن ما يسكت عنه أو يضمره أكبر، ولا يتطلب الأمر كبير تأويل ليصل القارئ إلى كشف أو استخلاص يتمثل في أن الهدف الرئيس من القانون هو "إعادة إنتاج" الحرب من خلال "إعادة إنتاج" لحظة آذار/مارس 2011 في سوريا.

لكن إعادة الإنتاج تلك تأتي في سياق "عملية استدراكية"، إن أمكن التعبير، أي ليس من خلال المواجهة العسكرية والقتال فحسب، وإنما من خلال الصراع على ذروة السياسة في سوريا أيضاً، وانطلاقاً منها إلى الصراع على السياسة في الإقليم، بكل التداعيات القائمة والمحتملة على السياسة العالمية.

وهكذا، فإن الولايات المتحدة وحلفائها، يريدون الاستفادة من "دروس" الحرب واستخلاصاتها خلال عشر سنوات، وتقصي الأسباب التي حالت دون تحقيق أهدافها بالتمام، بالتركيز على عوامل "صمود دمشق"، والعوامل التي دفعت روسيا وإيران وأطراف أخرى للوقوف معها، ومواصلتهما ذلك حتى بعد مضي عشر سنوات من حرب بالغة التعقيدات والتكاليف والمخاطر.

وقد اكتشف الأميركيون وحلفاؤهم أن انكسارهم الحرب السورية ينطوي على مصادر تهديد أكبر وأبعد مما كانوا يتصورون، ليس أن الحرب لم تصل إلى النهاية المرجوة أميركياً، وبالطبع هي لم تصل إلى النهاية المرجوة سورياً أو روسياً أو إيرانياً، بل ان الانسحاب أو التراجع لا يعني انتصار النظام السياسي فحسب، وإنما انتصار حلفائه أيضاً. 

من السهل تذكر حالة الهلع التي أصابت حلفاء أميركا وبعض فواعل السياسة فيها، عندما أعلن الرئيس دونالد ترامب عزمه الانسحاب من شرق سوريا. كانت قراءة أولئك تتركز على مقولة رئيسة وهي: ان الانسحاب يمثل انتصاراً لدمشق وموسكو وطهران وحزب الله.

من ثم، فإن المطلوب أميركياً هو "إعطاب" مسار استعادة سلطة الدولة السورية، وإعاقة التقدم الذي تحققه روسيا وإيران في المشهدين الإقليمي والعالمي، وهذا يقتضي من واشنطن تغيير النمط، بتوسيع دوائر الاستهداف، والتضييق والخنق لقلب الحدث وهو دمشق. وهذا ما يُفْتَرَضُ أنه أصل "قانون قيصر".  

قالت الولايات المتحدة –على لسان جيمس جيفري- أنها لا تريد إسقاط النظام السياسي، وإنما "إجباره" على العودة إلى "اشتراكات" قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وهي وفق المنظور الأميركي، الصريح والمضمر في آن، بمثابة العودة بالحدث السوري إلى لحظة آذار/مارس 2011، كما سبقت الإشارة، وهذا ما فهمته دمشق وحلفاؤها، كما فهمه حلفاء الولايات المتحدة، داخل سوريا وخارجها.

***

وهكذا، فإن الهدف الرئيس لسياسات "الخنق الاقتصادي" الأميركية والأوروبية، وفي مقدمها "قانون قيصر"، هو:

  • جعل تكلفة الحرب عالية، و"تعظيمها" إلى الحد الذي يجعل الاستمرار فيها مخاطرة لا تُحتمل، ليس بالنسبة للنظام السياسي والمجتمع والدولة في سوريا فحسب، وإنما لحلفائها أيضاً، وخاصة إيران التي تتعرض لسياسات خنق مشابهة هي الأخرى، ولا يخفى ما تتعرض له روسيا والصين أيضاً، وإلى حد ما لبنان والعراق، ولو أن للموقف الأميركي حيال الدول المذكورة أبعاد أخرى.
  • تجميد خرائط السيطرة من جهة النظام، بل إيقاف العمليات العسكرية للنظام، وقد عبر المبعوث الأميركي للشأن السوري جيمس جيفري عن ذلك صراحة عندما قال أن على دمشق أن توقف العمليات العسكرية حيال إدلب، بالإضافة إلى رسم أميركا خطوطاً حمراً أمام دمشق وحلفائها بشأن "شرق الفرات".
  • وفي الوقت نفسه تهيئة الظروف للفواعل الأخرى من أجل استمرار أجنداتها، أولها الولايات المتحدة في منطقة "التنف" ومناطق "شرق الفرات"، وتركيا في إدلب وريف حلب، وإلى حد ما "شرق الفرات"، وإسرائيل في المنطقة الجنوبية، ومخطئ من يظن أن الأخيرة غادرت رهاناتها وتدخلاتها في تلك المنطقة.

***

مهدت للقانون المذكور ورافقته حرب نفسية وإعلامية مهولة، وقعت على السوريين - والمعنيين بالحدث السوري - في لحظة "إجهاد" اقتصادي وسياسي واجتماعي ونفسي غير مسبوقة، رفعت من مستوى "اللا يقين" حيال اللحظة الآتية، وحيال قدرة سوريا على مواجهة تطورات الموقف، ومدى قدرة –وربما رغبة!- عدد من حلفاء سورية والشركاء الإقليميين والدوليين على مواصلة التفاعل معها بالرغم من "قانون قيصر" وبمواجهته.

وبدا كما لو أن "قانون قيصر" قد "حقق" جانباً من أهدافه، حتى قبل تطبيقه، وخاصة لجهة ارتفاع أسعار صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي والعملات الأخرى، والارتفاع الكبير في الأسعار، ولو أن المعروف بين السوريين والمعنيين بالحدث السوري، أن جانباً كبيراً مما حدث في قطاع الاقتصاد والمال والأعمال وتدفقات السلع وارتفاع الأسعار ليس محض نتيجة أو أثر للقانون المذكور، إنما هو مرتبط بتطورات وتجاذبات أخرى حدثت في سوريا نفسها، بالإضافة إلى التأثيرات التراكمية العميقة للفساد في قطاع الإدارة الحكومية وقطاعات المال والأعمال.

***

القانون المذكور رفع سقف التوقعات لدى المعارضة، لسان حالها أو بعضها يقول: أن هذا "قانون حلفائنا"، أو "قانون أعداء دمشق"، وهو بهذا المعنى "قانوننا"، وان لم يكن كذلك، فهو "في صالحنا". وبدت فواعل المعارضة أو بعضها على يقين بأن القانون سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى "إسقاط النظام"، وحتى لو طالت الأمور، فإنها لن ترجع إلى الوراء، وأن ذلك مفيد في كل الأحوال.

الضرر الكلي أو الاجمالي على سورية، سورية كلها، أنه يزيد في الفجوات ويرفع الجدران بين السوريين على جانبي الحرب، ويهيئ لـ"تقسيم" لا يريد أحد الإفصاح عنه صراحة، لكن كثيرين يعملون من أجله أو أنهم لا يمانعون حدوثه إذا ما صار أمراً واقعاً!

صحيح أن القانون صادم لدمشق، لكنه متوقع، ومن المفترض أن فواعل السياسة فيها درسوا أو بحثوا في تأثيراته المحتملة، ومن المرجح أن يستحث القانونُ دمشقَ على تعزيز ديناميات المقاومة والدفاع، وديناميات التكيف المديد مع العقوبات والظروف الجديدة، وإعادة تعريف الموقف، والبحث عن بدائل في الداخل، وبدائل بينها وبين الحلفاء الذين قالوا انهم لن يتركوها بمفردها حيال القانون. 

لكن الأولوية في كل ذلك هي الحيلولة دون العودة بالحدث إلى الوراء، وذلك من خلال سياسة استدراكية أيضاً، وباعتبار دروس الحرب وخبرتها، والأهم هو تفكيك القابليات الداخلية التي جعلت الحرب ممكنة، والتي تجعل من "إعادة إنتاجها" ممكنة أيضاً.

وهذا باب فيه كلام كثير!